فصل: فصل: (حكم قوله: أنت طالق كظهر أمي)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكافي في فقه الإمام أحمد ***


كتاب‏:‏ الظهار

وهو قول الرجل لزوجته‏:‏ أنت علي كظهر أمي أو ما أشبهه وهو محرم لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا‏}‏ ويصح من كل زوج يصح طلاقه لأنه قول يختص النكاح أشبه الطلاق إلا الصبي فلا يصح منه لأنه يمين موجبة للكفارة أشبه اليمين بالله وقال القاضي‏:‏ ظهاره كطلاقه لما ذكرناه أولا ويصح ظهار الذمي لأنه مكلف يصح طلاقه فصح ظهاره كالمسلم ولا يصح ظهار السيد من أمته لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏من نسائهم‏}‏ فخص به الزوجات فإن ظاهر منها أو حرمها فعليه كفارة يمين كما لو حرم طعامه وعنه‏:‏ عليه كفارة ظهار قال أبو الخطاب‏:‏ ويتوجه ألا يلزمه شيء كما لو ظاهرت المرأة من زوجها فإن ظاهر من أجنبية ثم تزوجها أو قال‏:‏ كل امرأة أتزوجها هي علي كظهر أمي ثم تزوجها لم تحل له حتى يكفر لما روى الإمام أحمد بإسناده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في رجل قال‏:‏ إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي ثم تزوجها قال‏:‏ عليه كفارة الظهار ولأنها يمين مكفرة فصح عقدها قبل النكاح كاليمين بالله تعالى‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏حكم من قال‏:‏ أنت علي كظهر أمي‏]‏

فإن قال‏:‏ أنت علي كظهر أمي أو ظهر من يحرم عليه على التأبيد كجدته وسائر محارمه من النسب والرضاع أو المصاهرة فهو مظاهر لأنه شبهها بظهر من هي محل استمتاع وتحرم عليه على التأبيد فكان مظاهرا كما لو قال‏:‏ أنت علي كظهر أمي وإن شبهها بمن يحرم في حال دون حال كأخت زوجته وعمتها أو الأجنبية ففيه روايتان‏:‏

إحداهما‏:‏ هي ظهار اختاره الخرقي وأبو بكر لأنه تشبيه بمحرم عليه أشبه تشبيهها بالأم‏.‏

والأخرى‏:‏ ليس بظهار لأنه شبهها بمن لا تحرم عليه على التأبيد أشبه تشبيهها بالمحرمة والصائمة وإن قال‏:‏ أنت علي كظهر البهيمة لم يكن مظاهرا لأنه ليس محلا للاستمتاع وإن قال‏:‏ أنت علي كظهر أبي ففيه روايتان‏:‏

إحداهما‏:‏ هو ظهار لأنه شبهها بمحل محرم على التأبيد أشبه التشبيه بظهر الأم‏.‏

والأخرى‏:‏ ليس بظهار لأنه ليس بمحل الاستمتاع أشبه التشبيه بالبهيمة‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم إن قال‏:‏ أنت عندي أو معي أو مني كظهر أمي‏]‏

فإن قال‏:‏ أنت عندي أو معي أو مني كظهر أمي فهو ظهار لأنه تقيد بما يفيده قوله‏:‏ أنت علي كظهر أمي وإن شبهها بعضو غير الظهر فقال‏:‏ أنت علي كفرج أمي أو يدها أو رأسها فهو ظهار لأن غير الظهر كالظهر في التحريم فكذلك في الظهار به وإن شبه عضوا منها بظهر أمه أو عضوا من أعضائها فقال‏:‏ ظهرك علي كظهر أمي أو رأسك علي كرأس أمي فهو مظاهر لأنه قول يوجب تحريم الزوجة فجاز تعليقه على يدها ورأسها كالطلاق وما لا يقع الطلاق بإضافته إليه كالشعر والسن والظفر لا يتعلق الظهار به لما ذكرنا‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏حكم قوله‏:‏ أنت علي كأمي‏]‏

فإن قال‏:‏ أنت علي كأمي أو مثل أمي فهو مظاهر فإن نوى به التشبيه في الكرامة أو نحوها فليس بظهار لأنه يحتمل مقاله وعنه‏:‏ ليس بظهار حتى ينويه لأنه يحتمل غير الظهار كاحتماله إياه فليس يصرف إليه إلا بنية ككنايات الطلاق وإن قال‏:‏ أنت كأمي أو مثلها فليس بظهار إلا أن ينويه لأنه من غير التحريم أظهر وقال أبو الخطاب‏:‏ هي كالتي قبلها وهكذا يتخرج في قوله‏:‏ رأسك كرأس أمي أو يدك كيدها وما أشبه وقياس المذهب أنه إن وجدت قرينة صارفة إلى الظهار مثل أن يخرجه مخرج اليمين كقوله‏:‏ إن خرجت من الدار فأنت علي كأمي وشبهه فهو ظهار لأن القرينة صارفة إليه وإلا لم يكن ظهارا لتردد الاحتمالات فيه وإن قال‏:‏ أنت حرام كأمي فهو صريح في الظهار لأنه لا يحتمل سوى التحريم‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏حكم قوله‏:‏ أنت طالق كظهر أمي‏]‏

وإن قال‏:‏ أنت طالق كظهر أمي طلقت ولم يكن ظهارا لأنه أوقع الطلاق صريحا فوقع وبقي قوله‏:‏ كظهر أمي غير متعلق بشيء فلم يقع فإن نوى به الطلاق والظهار معا فهو ظهار وطلاق وإن نوى بقوله‏:‏ أنت طالق‏:‏ الظهار لم يكن ظهارا لأنه صريح في موجبه فلم ينصرف إلى غير النية كما لو نوى بقوله‏:‏ أنت علي كظهر أمي الطلاق‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الظهار المؤقت‏]‏

ويصح الظهار مؤقتا كقوله‏:‏ أنت علي كظهر أمي شهرا لما روى سلمة بن صخر قال‏:‏ ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف منها شيء فلم ألبث أن نزوت عليها فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر فقال‏:‏ ‏[‏حرر رقبة‏]‏ رواه أبو داود ولأنه يمين مكفرة صح توقيتها كاليمين بالله تعالى فإذا مضى الوقت مضى حكم الظهار ويجوز تعليقه بشرط كدخول الدار لذلك فإذا وجد الشرط ثبت حكم الظهار وإن قال‏:‏ أنت علي كظهر أمي إن شاء الله لم يصر مظاهرا لما ذكرناه‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم إذا قالت المرأة لزوجها‏:‏ أنت علي كظهر أبي‏]‏

وإذا قالت المرأة لزوجها‏:‏ أنت علي كظهر أبي لم تكن مظاهرة لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يظاهرون من نسائهم‏}‏ فعلقه على الزوج ولأنه قول يوجب تحريم الزوجة يملك الزوج رفعه فاختص الرجل كالطلاق وفي وجوب الكفارة ثلاث روايات‏:‏

إحداهن‏:‏ عليها كفارة الظهار لما روى إبراهيم أن عائشة بنت طلحة قالت‏:‏ إن تزوجت مصعب بن الزبير هو علي كظهر أبي فسألت أهل المدينة فرأوا‏:‏ أن عليها الكفارة رواه الأثرم ولأنها أتت بالمنكر من القول والزور بهذا اللفظ فلزمتها كفارة الظهار كالرجل‏.‏

والثانية‏:‏ لا شيء عليها لأنه تشبيه غير الظهار فلم يوجب الكفارة كقولها‏:‏ أنت علي كظهر البهيمة‏.‏

والثالثة‏:‏ عليها كفارة يمين أومأ إليها بقوله‏:‏ قد ذهب عطاء مذهبا جعلها بمنزلة من حرم على نفسه شيئا من الطعام وهذا أقيس في مذهبه لأنه تحريم لحلال غير الزوجة فأوجب كفارة يمين كتحريم الأمة وعليها التمكين قبل الكفارة لأنه حق عليها فلا يسقط بيمينها ولأنه قول غير الظهار فوجب للكفارة فأشبه اليمين بالله تعالى‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏متى تجب الكفارة‏؟‏‏]‏

وإذا صح الظهار ووجد العود وجبت الكفارة لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة‏}‏ والعود‏:‏ هو الوطء في ظاهر كلام أحمد والخرقي قال أحمد‏:‏ العود‏:‏ هو الغشيان لأن العود في القول فعل ضد ما قال كما أن العود في الهبة هو استرجاع ما وهب فالمظاهر‏:‏ منع نفسه غشيانها فعوده في قوله غشيانها وقال القاضي وأصحابه‏:‏ العود‏:‏ العزم على الوطء لأن الله تعالى أمر بالتكفير عقيب العود قبل التماس بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا‏}‏ وعلى كلا القولين لا يحل له الوطء قبل التكفير لقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏من قبل أن يتماسا‏}‏ فإن وطأ قبله أثم واستقرت الكفارة عليه ولم يجب عليه أكثر منها لحديث سلمة حين وطئ فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من كفارة وتحريمها باق حتى يكفر لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسلمة‏:‏ ‏[‏ما حملك على ما صنعت‏؟‏‏]‏ قال رأيت بياض ساقها في القمر قال‏:‏ ‏[‏فاعتزلها حتى تكفر‏]‏‏.‏

وأما قبل الوطء فلا كفارة عليه وإنما أمر بها لكونها شرطا لحل الوطء كاستبراء الأمة المشتراة فإن فات الوطء بموت أحدهما أو فرقتهما فلا كفارة عليه لذلك وإن عاد فتزوجها لم تحل له حتى يكفر وقال أبو الخطاب‏:‏ إن كانت الفرقة بعد العزم فعليه الكفارة وهذا مقتضى قول من وافقه وقد صرح أحمد بإنكاره وكذلك قال القاضي‏:‏ لا كفارة عليه‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏حكم التلذذ بالمظاهَر منها‏]‏

وفي التلذذ بالمظاهر منها قبل التكفير بما دون الجماع كالقبلة واللمس روايتان‏:‏

إحداهما‏:‏ يحرم لأن ما حرم الوطء من القول حرم دواعيه كالطلاق‏.‏

والثانية‏:‏ لا تحرم لأنه تحريم يتعلق بالوطء فيه كفارة فلم يتجاوز الوطء كتحريم الحيض ولأن المسيس هنا كناية عن الوطء فيقتصر عليه‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم إذا ظاهر من أربع نسوة بأربع كلمات‏]‏

وإذا ظاهر من أربع نسوة بأربع كلمات فعليه لكل واحدة كفارة لأنها أربع أيمان في محال مختلفة فأشبه ما لو وجدت في أربعة أنكحة قال ابن حامد والقاضي‏:‏ هذا المذهب رواية واحدة وقال أبو بكر‏:‏ فيه رواية أخرى‏:‏ يجزئه كفارة واحدة لأن ذلك يروى عن عمر رضي الله عنه ولأن الكفارة حق الله تعالى فلم تتكرر بتكرر سببها كالحد وإن ظاهر منهن بكلمة واحدة فكفارة واحدة رواية واحدة لما روى ابن عباس‏:‏ أن عمر سئل عن رجل ظاهر من نسوة فقال‏:‏ يجزئه كفارة واحدة ولأنها يمين واحدة فلم توجب أكثر من كفارة كاليمين بالله تعالى وإن ظاهر من امرأة مرارا ولم يكفر فكفارة واحدة في ظاهر المذهب لأن اليمين الثانية لم تؤثر تحريما في الزوجة فلم يجب بها كفارة الظهار كاليمين بالله وعن أحمد‏:‏ ما يدل على أنه إن نوى بالثانية الاستئناف وجب بها كفارة ثانية لأنه قول يوجب تحريما في الزوجة فإذا نوى به الاستئناف تعلق به حكم كالطلاق والمذهب الأول فأما إن كفر عن الأولى فعليه للثانية كفارة واحدة رواية واحدة لأنها أثبتت في المحل تحريما أشبهت الأولى وإن قال‏:‏ كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي ثم تزوجت نساء في عقد واحد فكفارة واحدة وإن تزوجهن في عقود فكذلك في إحدى الروايتين لأنها يمين واحدة والأخرى‏:‏ لكل عقد كفارة فلو تزوج امرأتين في عقد وأخرى في عقد لزمته كفارتان لأن لكل عقد حكم نفسه فتعلق بالثاني كفارة كالأول‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم إن ظاهر من زوجته الأمة ثم ملكها‏]‏

وإن ظاهر من زوجته الأمة ثم ملكها فقال الخرقي‏:‏ لا يطؤها حتى يكفر يعني‏:‏ كفارة الظهار لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا‏}‏ وقال أبو بكر عليه كفارة يمين لا غير لأنها خرجت عن الزوجات فلم يجب بوطئها كفارة ظهار كما لو تظاهر منها وهي أمة فإن أعتقها عن كفارته جاز فإذا تزوجها بعد ذلك لم يعد حكم الظهار والله تعالى أعلم‏.‏

باب‏:‏ كفارة الظهار

الواجب فيه تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة‏}‏ وروى أبو داود بإسناده عن خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت‏:‏ تظاهر مني أوس بن الصامت فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه فما برحت حتى نزل القرآن ‏{‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها‏}‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏يعتق رقبة‏]‏ قلت‏:‏ لا يجد قال‏:‏ ‏[‏فيصوم شهرين متتابعين‏]‏ قلت‏:‏ يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام قال‏:‏ ‏[‏فليطعم ستين مسكينا‏]‏ فمن ملك رقبة أو كمالا يشتري به رقبة فاضلا عن حاجته لنفقته وكسوته ومسكنه وما لا بد له من مؤنة عياله ونحوه لزمه العتق لأنه واجد فإن كانت له رقبة لا يستغني عن خدمتها لكبره أو لمرضه أو لكونه ممن لا يخدم نفسه أو يحتاج إليها لخدمة زوجته التي يلزمه إخدامها أو يتقوت بغلتها أو يتعلق به حاجة لا بد منها لم يلزمه عتقها لأن ما لا تستغرقه حاجته كالمعدوم في جواز الانتقال إلى البدل كمن معه ماء يحتاج إليه للعطش في التيمم فإن كانت فاضلة عن حاجته الأصلية لزمه عتقها لأنه مستغن عنها فإن كان ماله غائبا ففيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ له التكفير بالصيام لأن عليه ضررا في تحريم الوطء إلى حضور المال فكان له الصوم كالمعسر‏.‏

والثاني‏:‏ لا يجزئه إلا العتق لأن مالك لما يشتري به رقبة ولأنه فاضل عن كفايته ولو كان ذلك في كفارة القتل والجماع لم يكن له التكفير بالصيام لأنه قادر على التكفير بالعتق من غير ضرر فلزمه كمن ماله حاضر ويحتمل أن يجوز له الصوم لأنه عاجز في الحال فأشبه المظاهر‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏المعتبر في حال وجوب الكفارة‏]‏

والاعتبار في حال وجوب الكفارة في أظهر الروايتين لأنها تجب على وجه التطهير فاعتبر فيها حال الوجوب كالحد‏.‏

والثانية‏:‏ الاعتبار بأغلظ الأحوال من حين الوجوب إلى الأداء فأي وقت قدر على العتق لزمه لأنه حق يجب في الذمة بوجود المال فاعتبر فيه أغلظ الأحوال كالحج فإن لم يقدر حتى شرع في الصيام لم يلزمه الانتقال إلى العتق لأنه وجد المبدل بعد الشروع في صوم البدل فأشبه المتمتع يجد الهدي بعد الشروع في الصيام وإن أحب الانتقال إليه بعد ذلك أو قبله على الرواية الأولى فله ذلك لأنه الأصل فيجزئه كسائر الأصول إلا العبد إذا أعتق بعد وجوب الكفارة عليه فليس له إلا الصوم لأنه لم يكن يجزئه غيره عند الوجوب فكذلك بعده‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏ما يجزئ في الكفارات‏]‏

ولا يجزئ في الكفارات كلها إلا رقبة مؤمنة لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة‏}‏ نص على المؤمنة في كفارة القتل وقسنا عليها سائر الكفارات لأنها في معناها وعنه‏:‏ يجزئه في سائر الكفارات ذمية لإطلاق الرقبة فيها‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏مالا يجزئ في الكفارات‏]‏

ولا يجزئ إلا رقبة سالمة من العيوب المضرة بالعمل ضررا بينا لأن المقصود تمليك العبد منفعته وتمكينه من التصرف ولا يحصل هذا مع العيب المذكور فلا يجزئ الأعمى لأنه يعجز عن الأعمال التي يحتاج فيها إلى البصير ولا الزمن ولا مقطوع اليد أو الرجل لأنه يعجز عن أعمال كثيرة ولا مقطوع الإبهام أو السبابة أو الوسطى من اليد لأن نفعها يبطل بهذا ولا مقطوع الخنصر والبنصر في يد واحدة كذلك وقطع أنملتين من إصبع كقطعها لأن نفعها يذهب بذلك ولا يمنع قطع أنملة واحدة لأنها تصير كالإصبع القصيرة إلا الإبهام فإنها أنملتان فذهاب إحداهما كقطعها لذهاب نفعها وإن قطعت الخنصر من يد والبنصر من أخرى لم يمنع لأن نفع اليد لا يبطل به ولا يجزئ الأعرج عرجا فاحشا لأنه يضر بالعمل فهو كقطع الرجل فإن كان عرجا يسيرا أجزأ لأنه لا يضر ضررا بينا ولا يجزئ الأخرس الذي لا تفهم إشارته فإن فهمت إشارته فالمنصوص أن الأخرس لا يجزئ وقال القاضي وأبو الخطاب‏:‏ يجزئ إلا أن يجتمع معه الصمم فإنهما إذا اجتمعا أضرا ضررا بينا ولا يجزئ المجنون جنونا مطبقا لأنه لا يصلح لعمل ولا من أكثر زمنه الجنون لأنه يعجز عن العمل في أكثر زمنه فإن كان أكثره الإفاقة ولا يمنعه من العمل أجزأ لعدم الضرر البين‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏هل يجزئ الأعور في الكفارات‏؟‏‏]‏

ويجزئ الأعور لأنه يدرك ما يدركه ذو العينين وأجدع الأنف والأذنين والأصم لأنه كغيره في العمل ويجزئ الخصي والمجبوب كذلك ويجزئ المرهون والجاني والمدبر وولد الزنا كذلك ويجزئ الأحمق وهو الذي يخطئ ويعتقد خطأه صوابا ويجزئ المريض الموجود برؤه والنحيف القادر على العمل فأما ما لا يرجئ برؤه أو لا يقدر على العمل فلا يجزئ لأنه لا عمل فيه ويجزئ عتق الغائب المعلوم حياته لأنه ينتفع بنفسه حيث كان وإن شك في حياته لم تبرأ ذمته لأن الوجوب ثابت بيقين فلا يزول بالشك فإن تبين أنه كان حيا تبينا أن الذمة برئت بعتقه‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏عتق الجنين في الكفارات‏]‏

ولا يجزئ عتق الجنين لأنه لم يثبت له أحكام الرقاب فإن أعتق صبيا فقال الخرقي‏:‏ لا يجزئه حتى يصلي ويصوم لأن الإيمان قول وعمل ولأنه لا يصح منه عبادة لفقد التكليف فلم يجزئ في الكفارة كالمجنون وقال القاضي‏:‏ لا يجزئ من له دون السبع في ظاهر كلام أحمد وقال في موضع آخر‏:‏ يجزئ عتق الصغير في جميع الكفارات إلا كفارة القتل فإنها على روايتين وقال أبو بكر وغيره‏:‏ يجزئ الطفل في جميع الكفارات لأنه ترجى منافعه وتصرفه فأجزأ كالمريض المرجو ولا يجزئ عتق مغصوب لأنه ممنوع من التصرف في نفسه فأشبه الزمن‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏عتق أم الولد في الكفارات‏]‏

ولا يجزئ عتق أم الولد في ظاهر المذهب لأن عتقها مستحق بسبب آخر فلم يجزئ كعتق قريبه ولأن الرق فيها غير كامل بدليل أنه لا يملك نقل ملكه فيها وعنه‏:‏ تجزئ لأنها رقبة فتتناول الآية بعمومها وفي المكاتب ثلاث روايات‏:‏

إحداهن‏:‏ يجزئ مطلقا‏.‏

والأخرى‏:‏ لا يجزئ مطلقا ووجهها ما ذكرنا‏.‏

والثالثة‏:‏ إن أدى من كتابته شيئا لم يجزئ لأنه حصل العوض عن بعضها فلم يعتق رقبة كاملة وإن لم يؤد شيء أجزأ لأنه لم يقتض عن شيء منها أشبه المدبر‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم إن اشترى من يعتق عليه‏]‏

وإن اشترى من يعتق عليه ينوي بشرائه العتق عن الكفارة عتق ولم يجزئه لأن عتقه مستحق في الكفارة فلم يجزئه كما لو استحق عليه الطعام بالنفقة فدفعه عن الكفارة وإن اشترى عبدا بشرط العتق فأعتقه عن الكفارة لم يجزه كذلك وإن قال‏:‏ إن وطئتك فعلي أن أعتق عبدي ثم وطئها وأعتق العبد عن ظهاره أجزأه لأنه لم يتعين عتقه عن الإيلاء بل هو مخير بين عتقه وبين كفارة يمين‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم ملك نصف عبد وهو موسر فاعتق نصيبه ونوى عتق الجميع عن كفارته‏]‏

ولو ملك نصف عبد وهو موسر فاعتق نصيبه ونوى عتق الجميع عن كفارته لم يجزئه في قول الخلال وصاحبه وحكاه صاحبه عن أحمد لأن عتق النصيب الذي لشريكه استحق بالسراية فلم يجزئه كما لو اشترى قريبه ينوي به التكفير وقال غيرهما‏:‏ يجزئ لأن حكم السراية حكم المباشرة بدليل أنه لو جرحه فسرى إلى نفسه كان كمباشرة قتله وإن كان معسرا عتق نصيبه فإن ملك النصف الآخر فأعتقه عن الكفارة أجزأه لأنه أعتق جميعه في وقتين فأجزأ كما لو أطعم المساكين في وقتين وإن أعتق نصف عبدين فقال الخرقي‏:‏ يجزئ لأن أبعاض الجملة كالجملة في الزكاة والفطرة كذلك في الكفارة وقال أبو بكر‏:‏ لا يجزئ لأن المقصود تكميل الأحكام ولا يحصل بإعتاق نصفين فعلى قوله إذا أعتق الموسر نصف عبد عتق جميعه ولا يجزئه إعتاق نصف آخر فإن أعتق عبده عن كفارة غيره بغير إذنه لم يجزئه لأنها عبادة فلم تجز عن غيره بغير أمره مع كونه من أهل الأمر كالحج إلا أن يكون ميتا فيجزئ عنه لأنه لا سبيل إلى إذنه فصح من غير إذنه كالحج عنه وإن أعتقه عن كفارة حي بأمره صح وأجزأ عن الكفارة إذا نواها لأنه أعتق عنه بأمره فأجزأه كما لو ضمن له عوضا وعنه‏:‏ لا يجزئ إلا أن يضمن له عوضا لأن العتق بغير عوض كالهبة ومن شرطها القبض ولم يحصل‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏حكم من لم يجد رقبة‏]‏

ومن لم يجد رقبة وقدر على الصيام لزمه صيام شهرين متتابعين فإن شرع في أول شهر أجزأ صيام شهرين بالأهلة تامين كانا أو ناقصين وإذا دخل في أثناء شهر صام شهرا بالهلال وأتم الشهر الذي دخل فيه بالعدد ثلاثين يوما لما ذكرنا فيما تقدم فإن أفطر يوما لغير عذر لزمه استئناف الشهرين لأنه أمكنه التتابع فلزمه وإن حاضت المرأة وأنفست أو أفطرت لمرض مخيف أو جنون أو إغماء لم ينقطع التتابع لأنه لا صنع لها في الفطر وإن أفطر لسفر فظاهر كلام أحمد‏:‏ أنه لا ينقطع التتابع لأنه عذر مبيح للفطر أشبه المرض ويتخرج في السفر والمريض غير المخوف أنه يقطع التتابع لأنه أفطر باختياره فقطع التتابع كالفطر لغير عذر وإن أفطرت الحامل والمرضع خوفا على أنفسهما فهما كالمريض وإن أفطرتا خوفا على ولديهما احتمل أنه لا ينقطع التتابع لأنه عذر مبيح للفطر أشبه المرض واحتمل أن ينقطع لأن الخوف على غيرهما ولذلك أوجب الكفارة مع قضاء رمضان ومن أكل يظن أن الفجر لم يطلع وقد طلع أو يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب أفطر وفي قطع التتابع وجهان بناء على ما تقدم وإن نسي التتابع أو تركه جاهلا بوجوبه انقطع لأنه تتبع واجب فانقطع بتركه جهلا أو نسيانا كالموالاة في الطهارة وإن أفطر يوم فطر أو أضحى أو أيام التشريق لم ينقطع به التتابع لأنه فطر واجب أشبه الفطر للحيض ويكمل اليوم الذي أفطر فيه يوم الفطر ثلاثين يوما لأنه بدأ من أثنائه وإن صام ذا الحجة قضى أربعة أيام وحسب بقدر ما أفطر لأنه بدأ من أوله وإن قطع صوم الكفارة بصوم رمضان لم ينقطع التتابع لأنه زمن منع الشرع صومه في الكفارة أشبه زمن الحيض وإن صام أثناء الشهرين عن نذر أو قضاء أو تطوعا انقطع التتابع لأنه قطع صوم الكفارة اختيارا لسبب من جهته فأشبه ما لو أفطر لغير عذر وإن كان عليه نذر في كل يوم خميس قدم صوم الكفارة عليه وقضاه بعدها وكفر لأنه لو صام لم يمكنه التكفير بحال‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم إن وطئ التي ظاهر منها في ليالي الصوم‏]‏

وإن وطئ التي ظاهر منها في ليالي الصوم لزمه الاستئناف لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا‏}‏ أمر بهما خاليين عن التماس ولم يوجد وعنه‏:‏ لا ينقطع التتابع لأنه وطء لا يفطر به فلم يقطع التتابع كوطء غيرها وإن وطئ غيرها ليلا لم ينقطع التتابع لأنه غير ممنوع منه وإن وطئها نهارا ناسيا أفطر وانقطع التتابع وعنه‏:‏ لا يفطر ولا ينقطع التتابع به‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏حكم من لم يستطع الصوم‏]‏

ومن لم يستطع الصوم لكبر أو مرض غير مرجو الزوال أو شبق شديد أو نحوه لزمه إطعام ستين مسكينا لأن سلمة بن صخر لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشدة شبقه أمره بالإطعام وأمر أوس بن الصامت بالإطعام حين قالت امرأته‏:‏ إنه شيخ كبير ما به من صيام فإن قدر على ستين مسكينا لم يجزئه أقل منهم وعنه‏:‏ يجزئه ترديد الإطعام على واحد ستين يوما لأنه في معنى إطعام ستين مسكينا لكونه قد دفع في كل يوم حاجة مسكين وعنه‏:‏ لا يجزئه إلا إطعام ستين مسكينا سواء وجدهم أو لم يجدهم لظاهر قوله‏:‏ ‏{‏فإطعام ستين مسكينا‏}‏ والمذهب أن ذلك يجزئ مع تعذر المساكين للحاجة ولا يجزئ مع وجودهم لأنه أمكن امتثال الأمر بصورته ومعناه‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏قدر الإطعام في الكفارات‏]‏

والواجب أن يدفع إلى مسكين مد بر أو نصف صاع من تمر أو شعير لما روى الإمام أحمد‏:‏ بإسناده عن أبي يزيد المدني قال‏:‏ جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمظاهر‏:‏ ‏[‏أطعم هذا فإن مدي شعير مكان مد بر‏]‏ وهذا نص ولأنها كفارة تشتمل على صيام وإطعام فكان منها لكل فقير من التمر نصف صاع كفدية الأذى وأما المد من البر فيجزئ لأنه قول زيد وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم ويجب أن يملك كل فقير هذا القدر فإن دفعه إليهم مشاعا فقال‏:‏ هذا بينكم بالسوية فقبلوه أجزأه لأنه دفع إليهم حقهم فبرئ منه كالدين وقال ابن حامد‏:‏ يجزئه وإن لم يقل بالسوية لأن قوله‏:‏ عن كفارتي يقتضي التسوية وإن غداهم أو عشاهم ستين مدا ففيه روايتان‏:‏

أحدهما‏:‏ يجزئ لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فإطعام ستين مسكينا‏}‏ وهذا قد أطعمهم ولأن أنسا فعل ذلك وظاهر المذهب أنه لا يجزئ لأنه لا يعلم وصول حق كل فقير إليه ولأنه حق وجب للفقراء شرعا فوجب تمليكهم إياه كالزكاة ولا يجب التتابع في الإطعام لأن الأمر به مطلق لا تقيد فيه‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏ما يجزئ في الإطعام‏]‏

ويجزئه في الإطعام ما يجزئه في الفطرة سواء كانت قوت بلده أو لم تكن وإن أخرج غيرها من الحبوب التي هي قوت بلده أجزأه ذكره أبو الخطاب لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏من أوسط ما تطعمون أهليكم‏}‏ فإن أخرج غير قوت بلده خيرا منه جاز لأنه زاد على الواجب وإن كان أنقص منه لم يجزئ وقال القاضي‏:‏ لا يجزئ إخراج غير ما يجزئ في الفطرة لأنه إطعام للمساكين فأشبه الفطرة والأول أجود لموافقته ظاهر النص ويجوز إخراج الدقيق إذا بلغ قدر مد من الحنطة وفي الخبز روايتين‏:‏

إحداهما‏:‏ يجزئه لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فإطعام ستين مسكينا‏}‏ ومخرج الخبز قد أطعمهم والأخرى لا يجزئه لأنه قد خرج عن حال الكمال والادخار فأشبه الهريسة فإذا قلنا‏:‏ يجزئه اعتبر أن يكون من مد بر فصاعدا فإن أخذ مد حنطة فطحنه وخبزه أجزأه وقال الخرقي‏:‏ لكل مسكين رطلا خبز لأن الغالب أنهما لا يكونان إلا من مد فأكثر وفي السويق وجهان بناء على الروايتين في الخبز ولا تجزئ الهريسة والكبولاء لأنه خرج عن الاقتيات المعتاد ولا القيمة لأنه أحد ما يكفر به فلم تجزئ القيمة فيه كالعتق‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏من يجوز صرفها إليهم‏]‏

ولا يجوز صرفها إلا إلى الفقراء والمساكين لأنهما صنف واحد في غير الزكاة ولا يجوز دفعها إلى غني وإن كان من أصناف الزكاة لأن الله تعالى خص بعها المساكين ولا إلى مكاتب كذلك وقال الشريف أبو جعفر‏:‏ يجوز دفعها إليه لأنه يأخذ من الزكاة لحاجته فأشبه المسكين والأول أولى لأن الله تعالى خص بها المساكين والمكاتب صنف آخر فأشبه المؤلفة ولا يجوز دفعها إلى من لا يجوز دفع الزكاة إليه كالعبد والكافر ومن تلزمه مؤنته لما ذكرنا في الزكاة وخرج أبو الخطاب وجها آخر في جواز الدفع إلى الكافر بناء على عتقه ولا يصح لأنه كافر فلم يجز الدفع إليه كالمستأمن‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏النية في الكفارات‏]‏

ولا تجزىء كفارة إلا بالنية لقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى‏]‏ ولأنه حق يجب على سبيل الطهرة فافتقر إلى النية كالزكاة فإن كانت عليه كفارات من جنس لم يلزمه تعيين سببها وإن كانت من أجناس فكذلك لأنها كفارات فلم يجب تعيين سببها كما لو كانت من جنس وقال القاضي‏:‏ يحتمل أن يلزمه تعيين سببها لأنها عبادات من أجناس فوجب تعيين النية لها كأنواع الصيام فلو كانت عليه كفارة لا يعلم سببها فأعتق رقبة أجزأه على الوجه الأول وعلى الوجه الثاني ينبغي أن تلزمه كفارات بعدد الأسباب كما لو نسي الصلاة من يوم لا يعلم عينها ولا يلزم نية التتابع في الصيام لأن العبادة هي الصوم والتتابع شرط فيه فلم تجب نيته كالاستقبال في الصلاة‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم إن كان المظاهر كافرا‏]‏

وإن كان المظاهر كافرا كفر بالعتق والإطعام لأنه يصح منه من غير الكفارة فصح منه فيها ولا يكفر بالصوم لأنه لا يصح منه في غيرها فكذلك فيها وإن أسلم قبل التكفير كفر بما يكفر به المسلمون‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏تقديم الكفارة على سببها‏]‏

ولا يجوز تقديم الكفارة على سببها لأن الحكم لا يجوز تقديمه على سببه كتقديم الزكاة قبل الملك ولو كفر عن الظهار قبل المظاهرة أو عن يمين قبلها أو عن القتل قبل الجرح لم يجز كذلك وإن كفر بعد السبب وقبل الشرط جاز فإذا كفر عن الظهار بعده وقبل العود وعن اليمين بعدها وقبل الحنث وعن القتل بعد الجرح وقبل الزهوق جاز لأن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا‏}‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير‏]‏ ولأنها كفارة فجاز تقديمها على شرطها ككفارة الظهار ولأنه حق مالي فجاز تقديمه قبل شرطه كالزكاة‏.‏

كتاب‏:‏ اللعان

ومتى قذف الرجل زوجته المحصنة بزنى من قبل أو دبر فقال‏:‏ زنيت أو يا زانية أو رأيتك تزنين لزمه الحد إلا أن يأتي ببينة أو يلاعنها لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة‏}‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله‏}‏ دلت الآية الأولى على وجوب الحد إلا أن يسقطه بأربعة شهداء‏.‏

والثانية‏:‏ على أن لعانه يقوم مقام الشهداء في إسقاط الحد وروى ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أن هلال ابن أمية قذف امرأته فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏البينة وإلا حد في ظهرك‏]‏ فقال هلال‏:‏ والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله من أمري ما يبرئ ظهري من الحد فنزلت‏:‏ ‏{‏والذين يرمون أزواجهم‏}‏ رواه البخاري ولأن الزوج يبتلي بقذف امرأته لنفي العار والنسب الفاسد وتتعذر عليه البينة ولأنه قد يحتاج إلى نفي النسب الفاسد ولا ينتفي إلا باللعان لتعذر الشهادة على نفيه وله الملاعنة وإن قدر على البينة كذلك ولأنهما حجتان فملك إقامة أيهما شاء كالرجلين والرجل والمرأتين في المال‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏متى يعرض للعان‏؟‏‏]‏

ولا يعرض له حتى تطالبه زوجته لأن الحق لها فلا يستوفى من غير طلبها كالدين فإن عفت عن الحد أو لم تطالب لم تجز مطالبته ببينة ولا حد ولا لعان ولا يملك ولي المجنونة والصغيرة وسيد الأمة المطالبة بالتعزيز من أجلهن لأنه حق ثبت للتشفي فلا يقوم غير المستحق مقامه فيه كالقصاص فإن أراد الزوج اللعان من غير طلبها وليس بينهما نسب يريد نفيه لم يملك ذلك لأنه لا حاجة إليه وإن كان بينهما نسب يريد نفيه فله أن يلاعن لأنه محتاج إليه فيشرع كما لو طالبته ولأن نفيه حق له فلا يسقط برضاها به ويحتمل ألا يشرع اللعان كما لو صدقته‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏من يصح منه اللعان‏]‏

ويصح اللعان بين كل زوجين مكلفين لعموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يرمون أزواجهم‏}‏ ولأن اللعان لدرء عقوبة القذف ونفي النسب الباطل والكافر والعبد كالمسلم الحر فيه وعنه‏:‏ لا يصح اللعان إلا بين مسلمين عدلين حرين غير محدودين في قذف لأن اللعان شهادة بدليل قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات‏}‏ فلا يقبل ممن ليس من أهل الشهادة وقال القاضي‏:‏ من لا يحد بقذفها كالذمية والأمة والمحدودة في الزنا إن كان بينهما ولد يريد نفيه فله اللعان لنفيه لأنه محتاج إليه وإلا فلا لعان بينهما لأن اللعان لإسقاط حد أو نفي نسب ولم يوجد واحد منهما وإن كان أحد الزوجين صبيا أو مجنونا فلا لعان بينهما لأن غير المكلف لا حكم لقوله ونفي حكم الولد إنما يحصل بتمام اللعان ولا يتم اللعان مع عدم القول منها وقال القاضي‏:‏ له لعان المجنونة إن كان ثم نسب يريد نفيه لأنه محتاج إليه فإن كان أحدهما أخرس وليست له إشارة مفهومة ولا كتابة فهو كالمجنون لأنه لا يعلم طلبها ولا يتصور لعانهما وإن كان له إشارة مفهومة أو كتابة صح اللعان منهما لأنه كالناطق في نكاحه وطلاقه فكذلك في لعانة وعن أحمد إذا كانت المرأة خرساء فلا لعان بينهما لأنه لا يعلم طلبها فيحتمل أن يحمل على عمومه في كل خرساء لأن إشارتها لا تخلو من تردد واحتمال والحد يدرأ بالشبه ويحتمل أن يختص بمن لا تفهم إشارتها لأنه علل بأنها لا تفهم مطالبتها وإن اعتقل لسان الناطق وأيس من نقطة فهو كالأخرس وإن رجي نطقه لم يصح لعانه لأنه غير مأيوس من نقطة فأشبه الساكت‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏حكم اللعان قبل الدخول‏]‏

ويصح اللعان بين الزوجين قبل الدخول لعموم قوله تعالى ‏{‏والذين يرمون أزواجهم‏}‏ وبعد الطلاق الرجعي لأن الرجعية زوجته فتدخل في العموم ولا يصح من غير الزوجين للآية فإن قذف من كانت زوجته فبانت منه بزنا لم يضفه إلى حال الزوجية فلا لعان بينهما لأنه قذف أجنبية وإن أضافه إلى حال الزوجية وبينهما ولد يريد نفيه لاعن لنفيه لأنه محتاج إليه فصح منه كحال الزوجية وإن لم يكن بينهما ولد حد ولم يلاعن لأنه لا حاجة به إليه فأشبه قذف الأجنبية ولو قال لامرأته‏:‏ أنت طالق ثلاثا يا زانية فنص أحمد‏:‏ على أنه يلاعن فنحمله على من بينهما ولد لأنه يتعين إضافة قذفها إلى حال الزوجية ولو نكح امرأة نكاحا فاسدا ثم قذفها فالحكم فيها كالمطلقة إن كان بينهما ولد لاعن لنفيه وإلا فلا لأن النسب يلحق في النكاح الفاسد فيحتاج إلى اللعان لنفيه وإن قذف أجنبية ثم تزوجها حد ولم يلاعن لأنه قذف أجنبية قذفا لا حاجة به إليه وإن قذفها بزنا أضافه إلى ما قبل النكاح فإن كان يتعلق به نفي نسب عنه فله اللعان وإلا فلا ونقل عن أحمد في هذا روايتان‏:‏

إحداهما‏:‏ لا يلاعن لأنه قذفها في حال كونها أجنبية أشبه ما لو قذفها قبل نكاحه لها‏.‏

والثانية‏:‏ يشرع اللعان لأنه قذف زوجته‏.‏

باب‏:‏ صفة اللعان

وصفته‏:‏ أن يقول الرجل بمحضر من الحاكم أو نائبه‏:‏ أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا ويشير إليها إن كانت حاضرة وإن كانت غائبة سماها ونسبها حتى تنتفي المشاركة ثم يقول‏:‏ وإن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميت فيه زوجتي هذه من الزنا ثم تقول المرأة أربع مرات‏:‏ أشهد الله إن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا وتشير إليه فإن كان غائبا سمته ونسبته ثم تقول‏:‏ وإن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني من الزنا لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم‏}‏ الآيات‏.‏

وروى أبو داود بإسناده عن ابن عباس‏:‏ أن هلال بن أمية قذف امرأته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏أرسلوا إليها‏]‏ فأرسلوا إليها فجاءت فتلا عليهم آية اللعان وذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا فقال هلال‏:‏ والله لقد صدقت عليها فقالت‏:‏ كذب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏لاعنوا بينهما‏]‏ فقيل لهلال‏:‏ اشهد فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فلما كانت الخامسة قيل‏:‏ يا هلال اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب فقال‏:‏ والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم قيل لها‏:‏ اشهدي فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فلما كانت الخامسة قيل لها‏:‏ اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ‏'‏ وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب فتلكأت ساعة ثم قالت‏:‏ والله لا أفضح قومي فشهدت الخامسة وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى أن لا بيت لهما من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏شروط صحة اللعان‏]‏

وشروط صحة اللعان ستة‏:‏

أحدها أن يكون بمحضر من الحاكم أو نائبه لأنه يمين في دعوى فاعتبر فيه أمر الحاكم كسائر الدعاوى وإن كانت المرأة برزة أرسل إليها فأحضرها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة هلال وإن لم تكن برزة بعث من يلاعن بينهما كما يبعث من يستخلفها في سائر الدعاوى‏.‏

الثاني‏:‏ أن يأتي به بعد إلقائه عليه فإن بادر به قبل ذلك لم يعتد به كما لو حلف قبل أن يستحلفه الحاكم‏.‏

الثالث‏:‏ كمال لفظاته الخمس فإن نقص منها شيئا لم يعتد به لأن الله علق الحكم عليها فلا يثبت بدونها ولأنها بينة فلم يجز النقص من عددها كالشهادة‏.‏

الرابع‏:‏ الترتيب على ما ورد به الشرع فإن بدأ بلعان المرأة لم يعتد به لأنه خلاف ما ورد به الشرع ولأن لعان الرجل بينة للإثبات ولعان المرأة بينة للإنكار فلم يجز تقديم الإنكار على الإثبات فإن قدم الرجل اللعنة على شيء من الألفاظ الأربعة أو المرأة الغضب على شيء منها لم يعتد بها لأن الله تعالى جعلها الخامسة فلا يجوز تغييره‏.‏

الخامس‏:‏ الإتيان بصورة الألفاظ الواردة في الشرع فإن أبدل الشهادة ببعض ألفاظ اليمين كقوله‏:‏ أقسم أو أحلف أو أولي أو أبدل لفظة اللعنة بالإبعاد أو الغضب بالسخط أو غيره لم يعتد به لأنه ترك المنصوص ولأنه موضع ورد الشرع فيه بلفظ الشهادة فلم يجز إبداله كالشهادة في الحقوق وفيه وجه آخر‏:‏ أنه يجزئ لأن معناهما واحد وقال الخرقي‏:‏ يقول الرجل‏:‏ اشهد بالله لقد زنت وليس هذا لفظ النص فيدل ذلك على أنه لم يشترط اللفظ وإن أبدلت المرأة لفظة الغضب باللعنة لم يجز لأن الغضب أغلظ ولذلك خصت به المرأة لأن المعرة والإثم بزناها أعظم من الحاصل بالقذف وإن أبدل الرجل اللعنة بالغضب ففيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ لا يجوز لمخالفته المنصوص‏.‏

والثاني‏:‏ يجوز لأنه أبلغ في المعنى‏.‏

السادس‏:‏ الإشارة من كل واحد إلى صاحبه إن كان حاضرا أو تسميته ونسبه بما يتميز به إن كان غائبا ليحصل التميز عن غيره وقال الوزير يحيى بن محمد بن هبيرة رحمه الله‏:‏ الفقهاء يشترطون أن يزاد‏:‏ فيما رميتها به من الزنا وفي نفيها عن نفسها‏:‏ فيما رماني به من الزنا ولا أراه يحتاج إليه لأن الله تعالى أنزل ذلك وبينه ولم يذكر هذا ولم يأت بالخبر في صفة اللعان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتراطه زيادة‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏ما يشترط في اللعان‏]‏

ويشترط في اللعان‏:‏ العربية لمن يحسنها ولا يصح بغيرها لأن الشرع ورد به بالعربية فلم يصح بغيرها كأذكار الصلاة وإن لم يحسن العربية جاز بلسانه لأنه يحتاج إليها فجاز بلسانه كالنكاح فإن عرف الحاكم لسانه أجزأ وإن لم يعرف لسانه أحضر عدلين يترجمان عنه ولا يقبل أقل منهما لأنه بمنزلة الشهادة عليه‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم إن كان بينهما ولد يريد نفيه‏]‏

فإن كان بينهما ولد يريد نفيه لم ينتف إلا بذكره في اللعان فإن لم يذكره أعاد اللعان وهذا قول الخرقي واختاره القاضي وقال أبو بكر‏:‏ لا يحتاج إلى ذكره وينتفي بزوال الفراش لأن حديث سهل بن سعد وصف فيه اللعان ولم يذكر فيه الولد وقال فيه‏:‏ ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى أنه لا يدعى ولدها لأب ولا ترمى ولا يرمى ولدها رواه أبو داود والأول أصح لأن ابن عمر قال‏:‏ لاعن رجل امرأته في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتفى من ولدها ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بالمرأة متفق عليه والزيادة في الثقة مقبولة ولأن من سقط حقه باللعان اشترط ذكره فيه كالزوجة وتذكره المرأة في لعانها لأنهما يتحالفان عليه فاشترط ذكره في تحالفهما كالمختلفين في الثمن ويحتمل أن لا يشترط ذكرها له لأنها لا تنفيه والأول المذهب ولا بد من ذكره في كل لفظة فإذا قال‏:‏ أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا يقول‏:‏ وما هذا الولد ولدي وتقول هي‏:‏ هذا الولد ولده في كل لفظة وذكر القاضي‏:‏ أنه يشترط أن يقول‏:‏ هذا الولد من زنا وليس مني لئلا يعني بقوله‏:‏ ليس مني خلقا وخلقا ولا يكفيه قوله‏:‏ هو من الزنا لأنه قد يعتقد الوطء في النكاح الفاسد زنا والصحيح الأول لأنه نفى الولد فينتفي عنه كما لو قال ذلك‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏ما يسن في اللعان‏]‏

ويسن في اللعان أربعة أمور‏:‏

أحدها‏:‏ أن يتلاعنا قياما لأن في بعض ألفاظ حديث ابن عباس فقال هلال فشهد ثم قامت فشهدت ولأن فعله في القيام أبلغ في الردع‏.‏

الثاني‏:‏ أن يكون بمحضر من جماعة لأن ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد حضروه مع حداثة أسنانهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يحضر الصبيان تبعا للرجال ولأن اللعان بني على التغليظ للردع والزجر وفعله في الجماعة أبلغ في ذلك‏.‏

والثالث‏:‏ أن يعظهما الحاكم بعد الرابعة ويخوفهما كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس‏.‏

والرابع‏:‏ أن يضع رجل يده على الملاعن بعد الرابعة يمنعه المبادرة إلى الخامسة إلى أن يعظه الحاكم ثم يرسلها وتفعل امرأة بالملاعنة بعد رابعتها كذلك لما روى ابن عباس في خبر المتلاعنين قال‏:‏‏:‏ فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ثم أمر به فأمسك على فيه فوعظه وقال‏:‏ ويحك كل شيء أهون عليك من لعنة الله ثم أرسل فقال‏:‏ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم دعا بها فقرأ عليها فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ثم أمر بها فأمسك على فيها فوعظها وقال‏:‏ ويلك كل شيء أهون عليك من غضب الله أخرجه الجوزجاني‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏التغليظ بزمن أو مكان‏]‏

ولا يسن التغليظ بزمن ولا مكان لأنه لم يرد به أثر ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما دل الحديث على لعانهما كان في صدر النهار لقوله في الحديث‏:‏ فلم يهجه حتى أصبح ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث والغدو إنما يكون أول النهار وقال أبو الخطاب‏:‏ يستحب التغليظ بهما فيتلاعنان بعد العصر لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏تحبسونهما من بعد الصلاة‏}‏ يعني‏:‏ بعد العصر ويكون في الأماكن الشريفة عند المنابر في الجامع إلا في مكة بين الركن والمقام وفي المسجد الأقصى عند الصخرة لأنه أبلغ في الردع والزجر ولله الحمد والمنة‏.‏

باب‏:‏ ما يوجب اللعان من الأحكام

وهي أربعة أحكام‏:‏

أحدها‏:‏ سقوط الحد أو التعزير الذي أوجبه القذف لأن هلال بن أمية قال‏:‏ والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها ولأن شهادته أقيمت مقام بينة مسقطة للحد كذلك لعانه ويحصل هذا بمجرد لعانه كذلك وإن نكل عن اللعان أو عن تمامه فعليه الحد فإن ضرب بعضه ثم قال‏:‏ أنا ألاعن سمع ذلك منه لأن ما أسقط جميع الحد أسقط بعضه كالبينة ولو نكلت المرأة عن الملاعنة ثم بذلتها سمعت منها كالرجل وإن قذف امرأته برجل سماه سقط حكم قذفه بلعانه وإن لم يذكره فيه لأن هلال بن أمية قذف زوجته بشريك بن سحماء ولم يذكره في لعانه ولم يحده النبي صلى الله عليه وسلم ولا عزره له ولأن اللعان بينة في أحد الطرفين فكان بينة في الآخر كالشهادة وقال أبو الخطاب‏:‏ يلاعن لإسقاط الحد لها وللمسمى‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم الثاني فيما يوجب اللعان من الأحكام‏]‏

الحكم الثاني‏:‏ نفي الولد وينتفي عنه بلعانه على ما ذكرناه لما ذكرنا من الحديث فيه ولأنه أحد مقصودي اللعان فيثبت به كإسقاط الحد‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم إن نفى الحمل في لعانه‏]‏

فإن نفى الحمل في لعانه فقال الخرقي‏:‏ لا ينتفي حتى ينفيه بعد وضعها له ويلاعن لأن الحمل غير متيقن يحتمل أن يكون ريحا فيصير اللعان مشروطا بوجوده ولا يجوز تعليقه على شرط وظاهر كلام أبي بكر صحة نفيه لظاهر حديث هلال بن أمية فإن لاعنها قبل الوضع بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏[‏أنظروها فإن جاءت به كذا وكذا‏]‏ ونفى عنه لولد ولأن الحمل تثبت أحكامه قبل الوضع من وجوب النفقة والمسكن ونفي طلاق البدعة ووجوب الاعتداد به وغير ذلك فكان كالمتيقن‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم إن ولدت توأمين فنفى أحدهما واستلحق الآخر‏]‏

فإن ولدت توأمين فنفى أحدهما واستلحق الآخر لحقاه جميعا لأنه لا يمكن جعل أحدهما من رجل والآخر من غيره والنسب يحتاط لإثباته لا لنفيه وإن نفي أحدهما وترك الآخر ألحقناهما به جميعا كذلك‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم إن أقر بالولد أو هنئ به فسكت أو أمن‏]‏

وإن أقر بالولد أو هنئ به فسكت أو أمن على الدعاء أو دعا لمن هنأه به لزمه نسبه ولم يملك نفيه لأن هذا جواب الراضي به وكذلك إن علم فسكت لحقه لأنه خيار لدفع ضرر متحقق فكان على الفور كخيار الشفعة وهل يتقدر بالمجلس أو يكون عقيب الإمكان‏؟‏ على وجهين‏:‏ بناء على خيار الشفعة وإن أخره لعذر كأداء صلاة حضرت أو أكل لدفع الجوع وأشباه هذا من أشغاله أو للجهل بأن له نفيه أو بوجوب نفيه على الفور لم يبطل خياره لأن العادة جارية بتقديم هذه الأمور والجاهل معذور وإن ادعى الجهل بذلك قبل منه لأن هذا مما يخفى إلا أن يكون فقيها فلا يقبل منه لأنه في مظنة العلم وإن أخره لعذر مدة يسيرة لم يحتج أن يشهد على نفسه وإن طالت أشهد على نفسه بنفيه كالطلب بالشفعة وإن قال‏:‏ لم أصدق المخبر وكان الخبر مستفيضا أو المخبر مشهور العدالة لم يقبل قوله وإن لم يكن كذلك قبل وإن أخر نفي الحمل لم يسقط نفيه لأنه غير مستحق وإن استلحقه لم يلحقه كذلك إلا على قول أبي بكر وإن ادعى أنه لم يعلم بالولادة وأمكن صدقه فالقول قوله وإلا فلا وإن أخر نفيه رجاء موته ليكفي أمر اللعان سقط حقه من النفي‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم الثالث فيما يوجب اللعان من الأحكام‏]‏

الحكم الثالث‏:‏ الفرقة وفيها روايتان‏:‏

إحداهما‏:‏ لا تحصل حتى يفرق الحاكم بينهما لقول ابن عباس في حديثه‏:‏ ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وفي حديث عويمر‏:‏ أنه قذف زوجته فتلاعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عويمر‏:‏ كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه فدل على أن الفرقة لم تحصل بمجرد اللعان فعلى هذا إن طلقها قبل التفريق لحقها طلاقه وللحاكم أن يفرق بينهما من غير طلب ذلك منه لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بينهما من غير استئذانهما وعليه أن يفرق بينهما لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بينهما‏.‏

والثانية‏:‏ تحصل الفرقة بمجرد لعانهما لأنه معنى يقتضي التحريم المؤبد فلم يقف على تفريق الحاكم كالرضاع ولأن الفرقة لو وقفت على تفريق الحاكم لساغ ترك التفريق إذا لم يرضيا به كالتفريق للعيب والإعسار وتفريق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما بمعنى‏:‏ أنه أعلمهما بحصول الفرقة باللعان وعلى كلتا الروايتين ففرقة اللعان فسخ لأنها فرقة توجب تحريم مؤبدا فكانت فسخا كفرقة الرضاع‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم الرابع فيما يوجب اللعان من الأحكام‏]‏

الحكم الرابع‏:‏ التحريم المؤبد يثبت لما روى سهل بن سعد قال‏:‏ مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا رواه الجوزجاني ولأنه تحريم لا يرتفع قبل الجلد والتكذيب فلم يرتفع بهما كتحريم الرضاع وقد روى عنه حنبل‏:‏ أنه إذا أكذب نفسه عاد فراشه كما كان وهذه الرواية شذ بها عن سائر أصحابه قال أبو بكر‏:‏ والعمل على الأول وإن لاعنها في نكاح فاسد أو بعد البينونة لنفي نسب ثبت التحريم المؤبد لأنه لعان صحيح فأثبت التحريم كاللعان في النكاح الصحيح ويحتمل أنه لا يثبت التحريم لأنه لم يرفع فراشا فلم يثبت تحريما كغير اللعان ولو لاعنها في نكاح صحيح وهي أمة ثم اشتراها لم تحل له لأنه وجد ما يحرمها على التأبيد فلم يرتفع بالشراء كالرضاع‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏بم تثبت أحكام اللعان‏؟‏‏]‏

ولا تثبت هذه الأحكام إلا بكمال اللعان إلا سقوط الحد وما قام مقامه فإنه يسقط بمجرد لعانه فإن مات أحدهما قبل كماله منهما فقد مات على الزوجية لأن الفرقة لم تحصل بكما اللعان ويرثه صاحبه كذلك ويثبت النسب لأنه لم يوجد ما يسقطه فإن كان الميت الزوج فلا شيء على المرأة وإن ماتت المرأة قبل لعان الزوج وطلبها بالحد فلا لعان لأن الحد لا يورث وإن ماتت بعد طلبها قام وارثها مقامها في المطالبة وله اللعان لإسقاط الحد‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم إن أكذب نفسه بعد كمال اللعان‏]‏

وإن أكذب نفسه بعد كمال اللعان لزمه الحد إن كانت محصنة والتعزير إن كانت غير محصنة ويلحقه النسب لأنهما حق عليه فيلزمانه بإقراره بهما ولا يعود الفراش ولا يرتفع التحريم المؤبد لأنهما حق له فلا يعودان بتكذيبه‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم إن لاعن الزوج ونكلت المرأة عن اللعان‏]‏

فإن لاعن الزوج ونكلت المرأة عن اللعان فلا حد عليها لأن زناها لم يتثبت فإنه لو ثبت زناها بلعان الزوج لم يسمع لعانها كما لو قامت به البينة ولا يثبت بنكولها لأن الحد لا يقضى فيه بالنكول لأنه يدرأ بالشبهات والشبهة متمكنة منه ولكن تحبس حتى تلتعن أو تقر قال أحمد‏:‏ أجبرها على اللعان لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين‏}‏ فإن لم تشهد وجب أن يدرأ عنها العذاب وعنه‏:‏ يخلى سبيلها وهو اختيار أبي بكر لأنه لم يثبت عليها ما وجب الحد فيخلى سبيلها كما لو لم تكمل البينة وإن صدقته فيما قذفها به لم يلزمها الحد حتى تقر أربع مرات لأن الحد لا يثبت بدون إقرار أربع على ما سنذكره وحكمها حكم ما لو نكلت ولا لعان بينهما لأن اللعان إنما يكون مع إنكارها ولا يستحلف إنسان على نفي ما يقر به‏.‏

باب‏:‏ ما يلحق من النسب وما لا يلحق

إذا تزوج من يولد لمثله بامرأة فأتت بولد لستة أشهر فصاعدا بعد إمكان اجتماعهما على الوطء لحقه نسبه في ظاهر من المذهب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏الولد للفراش‏]‏ ولأن مع هذه الشروط يمكن كونه منه والنسب مما يحتاط له ولم يوجد ما يعارضه فوجب إلحاقه به وإن اختل شرط مما ذكرنا لم يلحق به وانتفى من غير لعان لأن اللعان يمين واليمين جعلت التحقق أحد الجائزين أو نفي أحد المحتملين وما لا يجوز لا يحتاج إلى نفيه‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏أقل سن يولد لمثله في حق الرجل‏]‏

وأقل سن يولد لمثله في حق الرجل عشر سنين لقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏مروهم بالصلاة للسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع‏]‏ رواه أبو داود وقال القاضي‏:‏ تسع سنين وأقل مدة الحمل لأن الجارية يولد لها كذلك فكذلك الغلام وقال أبو بكر‏:‏ لا يلحق به الولد حتى يبلغ قال ابن عقيل‏:‏ هو أصح لأن من لا ينزل الماء لا يكون منه ولد وهذا ليس بسديد لأنهم إن أرادوا بالبلوغ بلوغ خمس عشرة فهو باطل لأنه يولد له لدون ذلك وقد روي أنه لم يكن بين عمرو بن العاص وبين ابنه عبد الله إلا اثنتا عشرة سنة وإن أرادوا الإنزال فيما يعلم فلابد من ضبطه بأمر ظاهر وإن ولدت امرأة غلام سنه دون ذلك لم يلحق به ومن كان مجبوبا مقطوع الذكر والأنثيين لم يلحق به نسب لأنه لا ينزل مع قطعهما وإن قطع أحدهما فقال أصحابنا‏:‏ يلحق به النسب لأنه إذا بقي الذكر أولج فأنزل وإن بقيت الأنثيان ساحق فأنزل والصحيح أن مقطوع الأنثيين لا يحلق به نسب لأنه لا ينزل إلا ماء رقيقا لا يخلق منه ولد وتنقضي به شهوة فأشبه مقطوع الذكر والأنثيين وإن لم يمكن اجتماع الزوجين على الوطء بأن يطلقهما عقيب تزويجه بها أو كان بينهما مسافة لا يمكن اجتماعها على الوطء معها لم يلحق به الولد وإن ولدت زوجته لدون ستة أشهر من حين تزوجها لم يلحقه ولدها لأننا علمنا أنها علقت به قبل النكاح‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏أقل مدة الحمل‏]‏

وأقل مدة الحمل ستة أشهر لم روي أن عثمان أتى بامرأة ولدت لدون ستة أشهر فتشاور القوم في رجمها فقال ابن عباس‏:‏ أنزل الله تعالى ‏{‏وحمله وفصاله ثلاثون شهرا‏}‏ وأنزل‏:‏ ‏{‏وفصاله في عامين‏}‏ فالفصال في عامين والحمل في ستة أشهر وذكر ابن القتبي أن عبد الملك بن مروان‏:‏ ولد لستة أشهر وأكثرها أربع سنين وعنه سنتان لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت‏:‏ لا تزيد المرأة على سنتين في الحمل والأول المذهب لما روى الوليد بن مسلم قال‏:‏ قلت لمالك بن أنس‏:‏ حديث عائشة‏:‏ لا تزيد المرأة على السنتين في الحمل قال مالك‏:‏ سبحان الله من يقول هذا‏؟‏ هذه جارتنا أمرأة محمد بن عجلان تحمل أربع سنين وقال أحمد نساء بني عجلان يحملن أربع سنين وامرأة عجلان حملت ثلاثة بطون كل دفعة أربع سنين وغالب الحمل تسعة أشهر لأنه كذلك يقع غالبا وإذا أتت المرأة بولد بعد فراقها لزوجها بموت أو طلاق بائن بأربع سنين لم يلحق به وانتفى عنه بغير لعان لأنها علقت به بعد زوال الفراش وإن كان الطلاق رجعيا فوضعته لأربع سنين منذ انقضت عدتها فكذلك لذلك وإن كان لأكثر من أربع سنين من حين الطلاق ففيه روايتان‏:‏

إحداهما‏:‏ لا يلحق به لأنها علقت به بعد طلاقه أشبهت البائن‏.‏

والثانية‏:‏ يلحقه لأنها في حكم الزوجات فأشبهت ما قبل الطلاق وإن وضعته لأقل من أربع سنين قبل الحكم بانقضاء عدتها لحق به لأنه أمكن إلحاقه به والنسب مما يحتاط لإثباته وإن بانت زوجته منه فوضعت ولدا ثم وضعت آخر بينهما أقل من ستة أشهر لحق به لأنهما حمل واحد وإن أتت به لستة أشهر فصاعدا لم يلحق به لأنه حمل ثان إذ لا يمكن أن يكونا حملا بينهما مدة الحمل فيعلم أنها علقت به بعد زوال الزوجية وإن اعتدت بالأقراء ثم أتت بولد لدون ستة أشهر لحق به لعلمنا أنها حملته في الزوجية والدم دم فساد رأته في حملها وإن كان لأكثر من ستة أشهر فصاعدا لم يلحق به لأننا حكمنا بانقضاء عدتها فلا تنقضها بالاحتمال هذا قول أصحابنا‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم إذا تزوجت المرأة بعد انقضاء عدتها ثم ولدت بعد ستة أشهر منذ تزوجها الثاني‏]‏

وإذا تزوجت المرأة بعد انقضاء عدتها ثم ولدت بعد ستة أشهر منذ تزوجها الثاني فهو ولده في الحكم لا ينتفي عنه إلا باللعان وإن ولدت لدون ستة أشهر منذ تزوجها الثاني لم يلحق به ولا بالأول وانتفى عنهما بغير لعان وإن تزوجت في عدتها وولدت لدون ستة أشهر من نكاح الثاني فهو ولد الأول لأنه أمكن أن يكون منه ولم يمكن إلحاقه بالثاني وإن أتت به لستة أشهر فصاعدا فهذا يحتمل أن يكون منهما فيرى القافة معهما فيلحق بمن الحقوه به منهما فإن ألحقته بالأول انتفى عن الثاني بغير لعان لأن نكاحه فاسد إن ألحقته بالثاني لحق وهل له نفيه باللعان‏؟‏ على روايتان‏:‏

إحداهما‏:‏ له ذلك والأخرى لا ينتفي عنه بحال وإن لم توجد قافة أو أشكل أمره ففيه روايتان‏:‏

إحداهما‏:‏ يترك حتى يبلغ فينتسب إلى من شاء منهما والأخرى يضيع نسبه‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم إذا أتت زوجته بولد يمكن أن يكون منه فقالت‏:‏ هذا ولدي منك فقال‏:‏ ليس هذا ولدي منك بل استعرتيه أو التقطتيه‏]‏

إذا أتت زوجته بولد يمكن أن يكون منه فقالت‏:‏ هذا ولدي منك فقال‏:‏ ليس هذا ولدي منك بل استعرتيه أو التقطتيه ففيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ القول قولها لأنه خارج تنقضي به العدة فالقول قولها فيه كالحيض‏.‏

والثاني‏:‏ القول قوله ولا يقبل قولها إلا ببينة لأن الولادة يمكن إقامة البينة عليها والأصل عدمها فكانت البينة على مدعيها ويكفي في ذلك امرأة عدلة وإذا ثبتت ولادتها لحق نسبه به لأنه ولد على فراشه وإن كان خلافهما في انقضاء العدة فالقول قولها في انقضائها بغير بينة لأن المرجع إليها فيها وإن قال‏:‏ هو من زوج قبلي ولم يكن لها قبله زوج أو كان ولم يمكن إلحاقه به لحقه ولم يلتفت إلى قوله وإن قال‏:‏ هو من وطء شبهة أو قال‏:‏ لم تزن ولكن ليس هذا الولد مني فقال الخرقي‏:‏ هو ولده في الحكم ولا حد عليه لها لأنه لم يقذفها ولا لعان بينهما لأن من شرطه القذف ولم يقذفها وقال أبو الخطاب هل له أن يلاعن بنفي الولد‏؟‏ على روايتين‏:‏

إحداهما‏:‏ لا يلاعن كذلك‏.‏

والثانية‏:‏ له أن يلاعن لأنه يحتاج إلى نفي النسب الفاسد فشرع كما لو قذفها‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم من ولدت زوجته بعد وطئه لها بستة أشهر من غير مشاركة غيره له في وطئها‏]‏

ومن ولدت زوجته بعد وطئه لها بستة أشهر من غير مشاركة غيره له في وطئها لحقه نسب ولدها ولم يحل له نفيه لما روى أبو هريرة‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين نزلت آية الملاعنة‏:‏ ‏[‏أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليها احتجب الله عنه وفضحه على رءوس الأولين والآخرين‏]‏ أخرجه أبو داود وإن علم أنه من غيره مثل أن يراها تزني في طهر لم يصبها فيه فاجتنبها حتى ولدت لزمه قذفها ونفي ولدها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث‏:‏ ‏[‏وأيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته‏]‏ فلما حرم عليها أن تدخل عليهم نسبا ليس منهم دل على أن الرجل مثله ولأنه إذ لم ينفه زاحم ولده في حقوقهم ونظر إلى حرمه بحكم أنه محرم لهن وإن لم يرها تزني لكن تعلم أن الولد من غيره لكونه لم يصبها لزمه نفي ولدها كذلك وليس له قذفها لاحتمال أن تكون مكرهة أو موطوءة بشبهة وإن كان يطؤها ويعزل لم يكن له نفي ولدها لما روى أبو سعيد الخدري قال‏:‏ قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنا نصيب النساء ونحب الأثمان فنعزل عنهن فقال‏:‏ ‏[‏إن الله إذا قضى خلق نسمة خلقها‏]‏ ولأنه قد يسبق من الماء ما لا يحس به فتعلق منه وإن كان يجامعها دون الفرج أو في الدبر فقال أصحابنا‏:‏ ليس له نفيه لأنه قد يسبق من الماء إلى الفرج ما لا تحس به‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم إن ولدت امرأته غلاما أسود وهما أبيضان أو أبيض وهما أسودان‏]‏

وإن ولدت امرأته غلاما أسود وهما أبيضان أو أبيض وهما أسودان لم يجز له نفيه ذكره ابن حامد لما روى أبو هريرة قال‏:‏ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن امرأتي جاءت بولد أسود يعرض بنفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏هل لك من إبل قال‏:‏ نعم قال‏:‏ فما ألوانها‏؟‏ قال‏:‏ حمر قال‏:‏ هل فيها من أورق‏؟‏ قال‏:‏ إن فيها لورقا قال‏:‏ فأنى أتاها ذلك‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ عسى أن يكون نزعة عرق قال‏:‏ وهذا عسى أن يكون نزعه عرق‏]‏ قال‏:‏ ولم يرخص له في الانتقاء منه متفق عليه ولأن دلالة ولادته على فراشه قوية ودلالة الشبهة ضعيفة فلا يجوز معارضة القوي بالضعيف ولذلك لما اختلف عبد بن زمعة وسعد بن أبي وقاص في غلام فقال سعد‏:‏ هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أنه ابنه انظر إلى شبهه وقال عبد الله بن زمعة‏:‏ هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته ورأى النبي صلى الله عليه وسلم فيه شبها بينا لعتبة فقال‏:‏ ‏[‏الولد للفراش وللعاهر الحجر‏]‏ متفق عليه فاعتبر الفراش دون الشبهه وقال القاضي‏:‏ ظاهر كلام أحمد أن له نفيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة هلال‏:‏ ‏[‏انظروها فإن جاءت به أبيض سبطا مضيء العينين فهو لهلال بن أمية وإن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين فهو لشريك‏]‏ رواه أحمد ومسلم فجاءت به على النعت المكروه وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏لولا الإيمان لكان لي ولها شأن‏]‏ أخرجه أبو داود فجعل الشبه دليلا على نفيه عن الزوج‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏الحكم إن رآها تزني ولم يكن له نسب يلحقه‏]‏

وإن رآها تزني ولم يكن له نسب يلحقه فله قذفها لأن هلالا وعويمرا قذفا زوجتيهما قبل أن يكون ثم نسب ينفى وله أن يسكت لأنه لا نسب فيه ينفيه وفراقها ممكن بالطلاق فيستغني عن اللعان وإن أقرت عنده بالزنا فوقع في نفسه صدقها أو أخبره بذلك ثقة أو استفاض في الناس أن رجلا يزني بها ثم رأى الرجل يخرج من عندها في أوقات الريب فله قذفها لأن الظاهر زناها وإن لم ير شيئا ولا استفاض سوى أنه رأى رجلا من عندها من غير استفاضة لم يكن له قذفها لأنه يجوز أن يكون دخل هاربا أو سارقا أو ليراودها عن نفسها فمنعته فلم يجز قذفها بالشك وإن استفاض ذلك ولم يره يدخل إليها ففيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ يجوز قذفها لأن الاستفاضة أقوى من خبر الثقة‏.‏

والثاني‏:‏ لا يجوز لأنه يحتمل أن عدوا أشاع ذلك عنها‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏من ملك أمة لم تصر فراشا بنفس الملك‏]‏

ومن ملك أمة لم تصر فراشا بنفس الملك لأنه قد يقصد بملكها التمول أو التجمل أو التجارة أو الخدمة فلم يتعين لإرادة الوطء فإن أتت بولد ولم يعترف به لم يلحقه نسبه لأنه لم يولد على فراشه فإذا وطئها صارت فراشا له فإذا أتت بولد لمدة الحمل من حين يوم الوطء لحقه لأن سعدا نازع عبد بن زمعة في ابن وليدة زمعة فقال عبد بن زمعة‏:‏ هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏هو لك يا ابن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر‏]‏ متفق عليه فإن ادعى أنه كان يعزل عنها لم ينتف عنه الولد بذلك‏:‏ لما ذكرنا في الزوجة وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال‏:‏ ما بال قوم يطئون ولائدهم ثم يعزلونهن لا تأتني وليدة يعترف سيدها أنه ألم بها إلا ألحقت به ولدها فاعزلوا بعد ذلك أو اتركوا وإن اعترف بوطئها دون الفرج فقال أصحابنا‏:‏ يلحقه نسب ولدها لأن الماء قد يسبق إلى الفرج من حيث لا يعلم وإن انتفى من ولدها بعد اعترافه بوطئها لم يلاعن لأن اللعان لا يكون إلا بين الزوجين ولا ينتفي عنه إلا أن يدعي أنه استبرأها بعد وطئه لها فإن ادعى ذلك فالقول قوله وينتفي ولدها عنه ويقوم ذلك مقام اللعان في نفي الولد‏.‏